انت تستخدم متصفح انترنت قديم مما يعوق أداء المواقع الحديثة. من فضلك حدث المتصفح الى  انترنت اكسبلورر 8.0موزيلا فَيَرفُكس, او  جوجل كروم.
من أجل استعادة ذاكرة الأمة

مصر تصبح ولاية عثمانية

8,852 زيارة
(1 votes, average: 5.00 out of 5)
كلمات رئيسية

تحول مركز الخلافة من مصر إلي القسطنطينية

صارت مصر ولاية عثمانية بعد انتصار سليم الأول علي طومان باي في موقعة الريدانية سنة 1517م.

و كان غرض الاتراك الاحتفاظ بسلطانهم في الولايات التي فتحوها، فعمدوا إلي تغيير الولاة بصفة مستمرة، و التفرقة بين الحكام. فكان قصر مدة حكم الوالي لا تدعوه إلي النظر في مصالح البلاد و الرعية، و إنما كان همه الأكبر ارهاق المصريين بالضرائب و جمع المال بكل وسيلة، منها لإرضاء الاستانة فتبقيه في مصر، و منها للتمتع بما جمعه من أموال بعد عزله من الولاية.

كما أن الخلافة العثمانية اختلفت عن الخلافة العباسية، في أنها كانت من الأتراك و ليس العرب. و كان الأتراك يضمرون غيظاً و حقداً علي العنصر العربي الذي استأثر بالخلافة الإسلامية طوال أحد عشر قرناً من الزمان.

لذلك كان سلاطين الدولة العثمانية يهدفون إلي نقل مشعل الحضارة الإسلامية من المدن العربية في بغداد و دمشق و القاهرة إلي عاصمتهم القسطنطينية

و في ذلك يقول شحاتة عيسي إبراهيم في كتابه ” القاهرة” أن السلطان سليم الأول سلطان العثمانيين لم يكن يعني برفاهية مصر و تقدمها بقدر اهتمامه بربطها بعجلة الامبراطورية العثمانية، و استنزاف مواردها، و ابتزاز أموالها، و اذلال أهلها.

و ينقل عن المؤرخ المصري ابن اياس الذي عاصر الغزو العثماني لمصر، أن سليم الأول أمر بجمع ألفين من المصريين، من رجال الحرف و الصناعات و كبارالتجار و القضاة و الأعيان و الأمراء، ثم حبسهم في أبراج الأسكندرية انتظاراً لقيام المراكب العائدة إلي القسطنطينية، ثمر رحل بهم إليها.

كما قام العثمانيون الذين أتوا مع حملة سليم الأول بنزع ما في بيوت مصر و القاهرة أثمن ما فيها من منقول و ثابت، حتي الأخشاب و البلاط و الرخام و الأسقف المنقوشة و مجموعة المصاحف و المخطوطات و المشاكي و الكراسي النحاسية و المشربيات و الشمعدنات و المنابر.

و تميز الولاة الذين تولوا ولاية مصر في عهد العثمانيين أن همهم الأول كان جمع الأموال بكل الطرق و ابتزاز التحف و الهدايا من الناس. فلم يكن يعنيهم القيام بأي أعمال أو انشاءات تخلد ذكراهم، فهم راحلون إلي أوطانهم عما قريب .

و الحقيقة التي اتفق عليها المؤرخون هي أن مصر دخلت بالفتح العثماني طور الكمون و السبات العميق لمدة ثلاثة قرون ( 300 سنة) لم يكن لها فيه شأن يذكر في التاريخ.

نزاعات سياسية مستمرة

كانت مصر بعد هزيمة المماليك في الريدانية قد أصبحت ولاية عثمانية سنة 1517 م. و منذ البداية أقام السلطان العثماني سليم الأول ثلاث إدارات تحكم مصر كل منها تراقب الأخري و هي:

-          الوالي: و هو نائب السلطان. و قد حرص السلطان علي أن تكون مدة ولايته قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات حتي لا ينفرد بالسلطة .و يتم إختياره مقابل مبلغ كبير من المال يدفعه قبل أن يصل إلي القاهرة و يتم التجديد لسنة أخري مقابل هدايا. بل إن مناصب القضاة كانت توزع علي من يدفع أكثر.

-          الحامية العسكرية : و تتكون من ست فرق عسكرية لكل منها مهامها الخاصة بها و يعاون رئيس كل فرقة مسؤولون ماليون و إداريون. و من هؤلاء جميعاً يتألف الديوان و هو بمثابة مجلس شوري الوالي. و مهمة الديوان كما حددها السلطان مراقبة الوالي، و من حقه الاعتراض علي قراراته و عزله. ثم دخل بعض العلماء و الأعيان و مشايخ البلاد هذا الديوان فيما بعد.

-          البكوات المماليك : من بقايا السلطة المملوكية و قد أبقي عليهم السلطان العثماني لإحداث توازن بين الوالي و الحامية العسكرية. و قد عهد إليهم بإدارة شئون الأقاليم و المديريات.

و لقد قسمت مصر في عهد العثمانيين إلي خمسة عشر إقليماً ( سنجقاً): تسعة منها في الوجه البحري و هي: البحيرة و رشيد و الغربية و منوف و دمياط و المنصورة و الشرقية و قليوب و الجيزة ، و ثلاثة في الوسطي و هي: إطفيح و الفيوم و بني سويف ، و ثلاثة في العليا و هي أسيوط و جرجاو قوص.

و كان علي رأس كل سنجق ( مديرية) أمير من المماليك يقال له الكاشف. و مرجع كل هؤلاء الأمراء إلي شيخ البلد المقيم في القاهرة.

و لقد كثرت المنازعات بين الأمراء المماليك بعضهم بعض، و بينهم و بين فرق الحامية العسكرية و الوالي العثماني. و هي منازعات لم تخمد في أي فترة من الفترات، و كانت أوضح ما تكون في القاهرة التي غلب عليها الفقر و كساد تجارتها، لأنها كانت مقر الوالي و أعضاء الديوان و جنود الحامية العسكرية و البكوات المماليك. فلا تلبث الشوارع أن تتحول إلي ساحات قتال، و يكثر سلب و نهب المتاجر و تكسد التجارة.

 

انهيار اقتصادي نتيجة تحول طريق التجارة

يعد حكم الولاة العثمانيين لمصر هو أسوأ حكم شهدته مصر في تاريخها الإسلامي و أطول فترة إضمحلال في العصر الإسلامي حيث استمرت قرابة 300 عام.

خسرت مصر كثيراً بسبب تحول الطريق التجاري المؤدي إلي الهند إلي طريق رأس رجاء الصالح بدلاً من الطريق الذي يمر بمصر من البحر المتوسط إلي البحر الاحمر. و بذلك فقدت مصر مورداً اقتصادياً هائلاً ، و اقتصرت صلاتها التجارية بحوض البحر المتوسط و السودان و بلاد الحبشة و الحجاز و اليمن.

كذلك تدهورت الشؤون الإقتصادية الداخلية لعدم استقرار الأمن و اشتداد النزاع بين فرق الحامية العسكرية و الإغارات المتلاحقة من بدو الصحراء فضلاً عن عدم ثبات قيمة العملة المتبادلة و اختلاف المكاييل و الموازين من مكان إلي مكان.

 

مظاهر التخلف الإجتماعي و العلمي

أهمل العثمانيون مصر، و لم يحاولوا تنمية المجتمع بأي طريقة. و إنما كانوا ينظرون للمصريين بنظرة تعالي و احتقار. و قصروا الوظائف الإدارية علي نفس عنصرهم التركي و عنصر المماليك الشركسي.

لذلك انحط المستوي الاجتماعي للشعب المصري، و شاع الاعتقاد في السحر و الخرافات و راجت أسواق المشعوذين و الدجالين.

و يحكي الأستاذ شحاتة عيسي إبراهيم في كتابه القاهرة عن اشاعة راجت في أحد الأيام من عام 1735 م / 1147 هج أن يوم البعث سيكون يوم الجمعة السادس و العشرين من ذي الحجة. و أخذ الناس يودع بعضهم بعضاً الوداع الأخير، و يهيمون علي وجوههم في الحقول و الطرقات. و انقضي اليوم و لم تقم الساعة و الناس مازالوا أحياء يرزقون. فشاع بينهم مرة أخري أن السيد أحمد البدوي و السيد الدسوقي و الإمام الشافعي تشفعوا للناس عند الله أن يؤجل لهم قيام القيامة، فقبل شفاعتهم!

كما قل ظهور علماء أو مفكرين في ذلك العصر، و انحطت اللغة العربية نتيجة استخدام اللغة التركية كلغة رسمية للبلاد. و أصبح علماء الأزهر هم حملة مشعل العلم و اللغة في ذلك العصر، يمثلون المجتمع في مطالبهم من الولاة. و سنراهم يقودون الثورات ضد الفرنسيين ، و بعد ذلك يولون محمد علي ولاية مصر.

انحسار العمارة الإسلامية الجميلة

لم يخل العصر العثماني من منشآت معمارية كالمساجد و التكايا و الأسبلة، و لكن الفرق كان شاسعاً بين العمارة الإسلامية البديعة أيام دولة المماليك، و عمارة العصر العثماني.

فقد أثرت الحالة الاقتصادية السيئة بشكل سلبي علي العمارة الإسلايمة في ذلك العصر، فقد كان فيها كثير من الاقتصاد من حيش المساحة و من حيث الزخرفة. كما قلت الدقة في البناء، لقلة الثروة من ناحية و تقهقر الصناعات من جهة أخري.

و من أهم المنشآت في ذلك العصر سبيل خسرو باشا بالنحاسين الذي اُنشئ سنة 945 هج/ 1538 هج و يقع بجوار قبة السلطان الصالح نجم الدين أيوب.

و لقد استحدث العثمانيون في بناء الجوامع بمصر الشكل التركي و هو متخذ من شكل الكنائس البيزنطية القديمة. و أهم مظاهر هذا الاقباس هو اتخاذ القباب بدلاً من السقف المستوية، فصارت القبة في كل جامع هي المركز الذي يدور عليه بناء الجامع. و كانت القباب قبل ذلك تستخدم في الأضرحة فقط.

و من أشهر جوامع هذا العصر جامع سليمان باشا الذي شيد داخل القلعة سنة 935 هج/ 1528 م. و جامع سنان باشا ببولاق المشيد سنة 979 هج/ 1571 م. و جامع الملكة صفية بالداودية المشيد سنة 1019 هج/ 1610 م.

و من أشهر المنشآت أيضاً سبيل عبد الرحمن كتخدا المشيد سنة 1157 هج/ 1744 م، و يقع عند ملتقي شارعي النحاسين و الجمالية.

و الحقيقة أن معظم المنشآت في ذلك العصر كانت من أعمال الأمراء المماليك و ليس من أعمال الولاة العثمانيين. و يعد عبد الرحمن كتخدا هو شيخ المشيدين و المرممين في ذلك العصر، فله 18 جامعاً في القاهرة من بين منشأ و مجدد. و أشهر ترميماته ترميمه للجامع الأزهر و ضريح السيدة زينب بنت علي و السيدة سكينة.

و آخر ما أُقيم في مصر من الآثار التركية الجميلة السبيل و الكتاب الذان بناهما السلطان مصطفي الثالث تجاه مسجد السيدة زينب، و سبيل و كتاب السلطان محمود الأول في شارع درب الجماميز.