انت تستخدم متصفح انترنت قديم مما يعوق أداء المواقع الحديثة. من فضلك حدث المتصفح الى  انترنت اكسبلورر 8.0موزيلا فَيَرفُكس, او  جوجل كروم.
من أجل استعادة ذاكرة الأمة

ثورة يوليو 1952م و عزل فاروق

12,527 زيارة 0 تعليق
(No Ratings Yet)
كلمات رئيسية

كانت هزيمة فلسطين هي الصخرة التي تحطم عليها الكيان الملكي في نظر الجيش، فحينما عاد الضباط من الحرب مهزومين و مقهورين، تحولوا إلي خلايا نشطة ذات طابع تنظيمي، لأنهم رأوا أن فاروقا هو السبب وراء هزيمة العسكرية المصرية، سواء بالقيادات الفاشلة التي تجهل أساليب الحرب، أو بقلة الإمداد و التموين أو بالأسلحة و الذخيرة الفاسدة. و في خضم التنظيمات السرية التي تكونت في الجيش تكونت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار في سبتمبر 1949م برئاسة البكباشي جمال عبد الناصر. و كانت المنشورات هي سلاح التنظيمات ضد الملك. و حاول البوليس السياسي معرفة اسماء الضباط الذين يقفون وراء هذا التنظيم، و لكنهم لم يفلحوا .

و تمثلت المعركة الكبري بين الملك و قيادة الجيش الموالية له من ناحية و الضباط الأحرار من ناحية أخري في انتخابات نادي الضباط في أواخر عام 1951م. فكان مرشح الملك لرئاسة مجلس إدارة النادي حسين سري عامر صاحب السمعة السيئة و صاحب الاتهامات الخطيرة التي شملت تهريب المخدرات و بيع الأراضي بطرق غير مشروعة و سرقة و نهب البدو و الرشوة و التزوير و شراء الأسلحة الفاسدة و تهريب معدات البترول و الأسلحة لإسرائيل. أما مرشح الضباط الأحرار فكان محمد نجيب و هو صاحب السمعة الطيبة و البطولات في حرب فلسطين و المواقف الرافضة لتسلط الملك علي الجبش.

لما علم فاروق بالاتجاه  السائد رأي تأجيل الانتخابات التي كان مقرر إقامتها في 31 ديسمبر 1951م. و لكن الضباط لم يمتثلوا لرغبة الملك ، بل إنهم أيضاً استبعدوا مرشح الملك حسين سري عامر علي اعتبار أن سلاح الحدود الذي كان يرأسه لا يعد فرعاً في الجيش. و أقيمت الانتخابات و فاز محمد نجبيب برئاسة مجلس إدارة نادي الضباط،  كما فاز خمسة من الضباط الأحرار في عضوية المجلس.

و حدثت محاولة اغتيال حسين سري عامر في 8 يناير 1952 م اشترك فيها عبد الناصر و حسن ابراهيم و كمال الدين حسين و حسن التهامي. مما أثار فزع الملك فاروق و تحرك الحرس الحديدي للملك و قام باغتيال عبد الحميد طه في 25 مارس 1952 الساعد الأيمن لمصطفي كمال صدقي المتهم في محاولة اغتيال حسين سري عامر.

واصل فاروق عناده و رفض تعيين محمد نجيب وزيراً للحربية لتهدئة الأوضاع في الجيش و مهادنة الضباط الأحرار، بل إنه قام بحل مجلس إدارة نادي الضباط و منع دخول الضباط النادي القوة ، كما ظل يتحين الفرصة لتعيين حسين سري عامر وزيراً للحربية.

توصل البوليس السياسي لبعض أسماء أعضاء الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار و أصبح فاروق علي وشك التخلص منهم و تعيين حسين سري عامر وزيراً للحربية ليسحق تمردهم، مما دعي التنظيم للتبكير بموعد القيام بالتحرك العسكري ليكون يوم 23 يولية 1952م.

حاول نجيب الهلالي تطهير القصر من حاشية الملك الفاسدة التي تكاد تطيح بعرشه، و لكن رجال الحاشية تآمروا ضده و قلبوا فاروق ضد رئيس وزرائه فاستقال في 28 يونيه 1952 بعد أن استمرت وزارته أربعة أشهر فقط.

تشكلت وزارة حسين سري في 2 يولية و لم تمض أكثر من 20 يوماً في الحكم و استقالت في 22 يولية ، و كلف الملك نجيب الهلالي مرة اخري بتشكيل الوزارة التي استمرت يوم واحد ثم تحرك ضباط الجيش صباح اليوم التالي للاستيلاء علي الحكم.

في مساء 22 يولية 1952 أقام الملك فاروق حفلاً ساهراً في قصر المنتزه بالأسكندرية احتفالاً باسماعيل شرين زوج اخته الذي تولي وزارة الحربية و البحرية. كان فاروق مطمئناً أن وزارة نجيب الهلالي ستعيد الاستقرار للبلاد، و أن اسماعيل شرين سيسحق تمرد الضباط في الجيش.

و في أثناء الحفلة دخل الشماشرجي محمد حسن ليبلغ الملك أن الضباط الأحرار استولوا علي مقر قيادة الجيش في القاهرة.

نجح الضباط الأحرار في دخول مقر قيادة الجيش في القاهرة في مساء يوم 22 يولية، و تولي الإخوان المسلمون مسئولية حماية الأماكن العامة و طرق القناة حيث تتمركز القوات البريطانية. و قامت كردونات الجيش الموالية للضباط الأحرار بمحاصرة قصر المنتزه حيث يتواجد الملك و لكنها لم تحاول دخوله.

بعد الاستيلاء علي مقر قيادة الجيش، كانت خطة الضباط تقضي بإذاعة بيان الضباط في الإذاعة المصرية صباح يوم 23 يولية. و عندما علم فاروق بأمر البيان أمر كريم ثابت بمنع إذاعة البيان و تفكيك المحطة في الحال، و لكن الضباط الأحرار كانوا أسرع  فهددوا القائمين علي المحطة بالسلاح، و بالفعل ألقي أنور السادات بيان الضباط في الإذاعة في السابعة و النصف صباحاً باسم محمد نجيب الذي أعلن نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة. لم يتعرض البيان للملك فاروق و إنما تحدث عن الرشوة و الفساد و عدم استقرار الحكم و هزيمة فلسطين و الخيانة، و بين دور الجيش و هدفه، و طالب بالتزام الهدوء و السكينة، و طمأن الأجانب علي أرواحهم و مصالحهم.

كان الضباط الأحرار يخشون من تدخل القوات البريطانية لصالح الملك كما حدث إبان الثورة العرابية عندما تدخلت بريطانيا لحماية الخديو توفيق ضد الجيش المصري بقيادة عرابي، و كما تدخلت القوات البريطانية في حادثة فبراير 1942م. لذلك عمد الضباط إلي توصيل الرسائل إلي القائم بالأعمال البريطاني و السفير الأمريكي تفيد بأن هذه حركة داخلية في الجيش تهدف إلي تطهير الجيش من الفساد، و أن الضباط يتعهدون بضمان أمن و سلامة الرعايا الأجانب.

و علي ذلك عندما انعقد مجلس الوزراء البريطاني لمناقشة الأمر أتُفق علي أنه ليس من مصلحة بريطانيا التدخل لصالح الملك فاروق ضد الجيش المصري بعد أن فقد الملك كل أهلية لقيادة البلاد، و أن بريطانيا لن تتحرك إلا في حالة انتماء حركة الضباط  الأحرار للشيوعية و للاتحاد السوفيتي.

وقع اختيار الضباط الأحرار علي علي ماهر ليكون رئيس الوزارء الجديد بدلاً من نجيب الهلالي، و ذلك ليعطي الأمان للملك و في نفس الوقت لعلاقته الطيبة بمحمد نجيب، و تولي علي ماهر توصيل مطالب الضباط للملك.

كانت مطالب الضباط للملك سطحية وفقاً للخطة لتعطي الأمان للملك حتي لا يفكر في طلب التدخل العسكري من القوات الإنجليزية لصالحه. كانت المطالب هي : تعيين محمد نجيب قائداً عاماً للقوات المسلحة بعد إعطائه السلطة لإحالة ستة و خمسين من كبار الضباط الذين اعتقلتهم الحركة للمعاش ، و حل الحرس الملكي، و فصل أفراد الحاشية بوللي و محمد حلمي حسين و محمد حسن و يوسف رشاد و حسن عاكف و كريم ثابت و أندرواس.

رفض الملك فاروق التخلي عن أفراد حاشيته السبعة و تمسك بهم إلي أقصي درجة و لكنه وافق في النهاية بعد ضغوط كثيرة من علي ماهر و أخته فوزية و زوجها اسماعيل شرين.

انتقل الضباط الأحرار بعد ذلك لتنفيذ المرحلة الأخيرة من خطتهم و هي عزل فاروق و تولية أحمد فؤاد تحت مجلس وصاية. و كان فاروق قد انتقل بأسرته و حاشيته إلي قصر رأس التين حيث وسائل الدفاع و التحصينات أفضل و حيث يرسو يخت المحروسة لمغادرة البلاد إن استدعي الأمر.

أحكم الضباط الأحرار سيطرتهم علي الاسكندرية و انتقل محمد نجيب مع ستة من الضباط إلي الأسكندرية مساء يوم 25 يولية لوضع خطة عزل فاروق و تنفيذها.

كان هناك اتجاهان لدي الضباط ، اتجاه لمحاكمة فاروق و الحكم باعدامه، و الاتجاه الآخر نفيه خارج البلاد.

و كان محمد نجيب و أنور السادات و يوسف صديق يعارضون استخدام العنف، و ارسلوا جمال سالم إلي القاهرة لاستطلاع رأي جمال عبد الناصر فرد عليهم ” ليذهب فاروق إلي المنفي، و يُترك للتاريخ الحكم عليه”.

و ما أن أشرقت شمس يوم 26 يولية، حتي كانت الأسكندرية قد تحولت إلي ثكنة عسكرية فحاصر الجيش القصور الملكية رأس التين و المنتزه في الاسكندرية و عابدين و القبة في القاهرة. و حلقت الطائرات العسكرية و صوبت المدافع تجاه رأس التين. و توجه محمد نجيب و أنور السادات و جمال سالم لعلي ماهر بإنذار الجيش للملك و الذي يقضي بتنازله عن العرش لابنه و مغادرة مصر قبل السادسة من مساء اليوم.

حمل علي ماهر الإنذار و ذهب لمقابلة الملك في رأس التين، و استطاع اقناع فاروق بالتخلي عن العرش مذكراً إياه أن الشعب لن ينحاز لصفه و أن المصلحة الشخصية في تولي أحمد فؤاد العرش تقضي بعدم المقاومة و الموافقة علي التنازل و الخروج من مصر.

طلب فاروق الخروج من مصر بحراً علي يخته المحروسة و اصطحاب زوجته وولي عهده و بناته، و طلب أن تحفظ كرامته في وثيقة التنازل، فوعده علي ماهر أن تكون مثل وثيقة تنازل ملك بلجيكا عن العرش، و تولي كتابة الوثيقة القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري.

انتقل سليمان حافظ المكلف بتوقيع وثيقة التنازل عن العرش إلي قصر رأس التين و سلمها للملك الذي قرأها أكثر من مرة و حاول التظاهر بالهدوء ، ثم قام بالتوقيع عليها.

ارتدي فاروق السترة البحرية و اعدت الحقائب التي بلغت مائة و خمسين حقيبة، و تهيأ الملك للرحيل. و حضر إلي القصر علي ماهر و كافري السفير الأمريكي و قاما بتوديع الملك الذي بدا عليه الحزن و التأثر.

غادر الملك قصر رأس التين و عزفت الموسيقي السلام الوطني، و حلقت أربع طائرات نفاثة مشاركة في التحية، و أطلقت المدفعية إحدي و عشرين طلقة، و أدي حرس الشرف التحية العسكرية، و صافح فاروق علي ماهر الذي لم فاضت عيناه بالدموع فهو الذي رافق الملك منذ قدومه من إيطاليا لتولي حكم مصر سنة 1936م. و ركب فاروق زورقاً بخارياً ليقله إلي يخته المحروسة الراسي في الميناء الخارجي.

حضر محمد نجيب متأخراً، و استقل زورقاً آخر إلي يخت المحروسة، و أدي التحية العسكرية للملك السابق. و كان بصحبته أحمد شوقي و جمال سالم و حسين الشافعي و إسماعيل فريد.

استمر اللقاء الصعب ثلث الساعة و قال الملك لمحمد نجيب أن مهمته صعبة للغاية لأنه ليس من السهل حكم مصر. و الطريف أن الملك لاحظ أن جمال سالم يحمل عصاه فأمره بإلقائها، و حين أظهر جمال سالم شيئاً من الامتعاض، أمره القائد الأعلي فانصاع.

رحلت المحروسة مع غروب شمس ذلك اليوم و رحل معها ملك مصر فاروق الأول و الأخير بعد أن استمر حكمه من 29 يولية 1937م إلي 26 يولية 1952 م أي قرابة 15 عاماً.

للمشاركة