انت تستخدم متصفح انترنت قديم مما يعوق أداء المواقع الحديثة. من فضلك حدث المتصفح الى  انترنت اكسبلورر 8.0موزيلا فَيَرفُكس, او  جوجل كروم.
من أجل استعادة ذاكرة الأمة

حريق القاهرة 1952م

9,549 زيارة 0 تعليق
(No Ratings Yet)

كان من مصلحة بريطانيا أن يتولي الوفد رئاسة الوزراء، لأنه القادر علي التحكم في الحركة الوطنية بعد تدهور شعبية فاروق. أما فاروق فقد رأي أن يقوم بلعبة سياسية تحسب له بعد تدني مركزه، و ذلك بتخفيف حدة الهجوم علي الوفد و إبداء مرونة في دخول الوفد في وزارة قومية. و في نفس الوقت رأي الوفد أن من مصلحته الملاينة مع فاروق للوصول إلي الوزارة.

و من ثمار هذا التقارب دخول الوفد في وزارة حسين سري القومية التي استمرت حتي جرت الانتخابات في 3 يناير 1950م و فاز فيها الوفد بأغلبية ساحقة، و بذلك قام النحاس بتشكيل الوزارة الرابعة للوفد و الأخيرة لمصطفي النحاس.

و لكن هذه الوزارة النحاسية اختلفت عن سابقتها، فقد عمد مصطفي النحاس إلي سياسة المهاودة و المسالمة مع الملك، فكان ينفذ للملك كل مطالبه و يتغضي عن مفاسده و مفاسد حاشيته، و يعمل علي تلميع صورته في الإعلام. فلم يعد مصطفي النحاس هو المجاهد الكبير الذي يسعي لتحقيق حرية الوطن و استقلاله، و إنما أصبح رجل سياسي يتبادل المصالح و المنفعة مع الملك ليبقي في السلطة.

بدأت الحكومة في سلسلة من التنازلات المالية لصالح فاروق، فتم اعتماد مبلغ مليون و 132 ألف جنيه لاصلاح اليخت الملكي “المحروسة”، و هي الاعتمادات التي رفضتها الوزارات السابقة حتي الموالية للملك.  كما زيدت المخصصات الملكية، و أغمضت الحكومة عينها عن تسويف فاروق في دفع ضريبة الإيراد في وقت بلغ فيه عجز الميانية 16 مليون جنيه و أصبح غلاء المعيشة سيفاً مسلطاً علي رقبة الشعب.

و في نفس الوقت أراد الملك كبح جماح الصحافة التي راحت تنشر أخبار الأسرة المالكة و خاصة تصرفات أم الملك و أخته في الولايات المتحدة. فصدر قانون 120 لعام 1950م بحظر نشر أنباء العائلة المالكة إلا بإذن من وزير الداخلية. كما صدر قانون آخر يحظر نشر الأخبار العسكرية إلا بإذن من وزير الحربية و ذلك بعدما انتشر اللغو في مسألة الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين، و مع ذلك ازدادت الصحافة نقداً و هجوماً علي الملك.

و شكٌلت مسألة التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة حدثاً في التحكم و السيطرة الملكية، و ذلك بعد أن فجرها احسان عبد القدوس في مجلة روزليوسف و دلل عليها بوثائقه، و تورط الحاشية الملكية فيها. و هنا تدخل فاروق لعرقلة التحقيق و حوصر النائب العام المتولي للتحقيق ، و تدخل فؤاد سراج الدين من الوفد في أعمال النيابة لصالح الملك، و تم حفظ التحقيق، بل قام الملك بالانعام علي رجال حاشيته الذين وقعوا في دائرة الاتهام بالنياشين، فكان تصرفاً مستفزاً و مستهتراً بمشاعر الشعب الذي ضحي بابنائه في الحرب فماتوا ليس دفاعاً عن القضية و إنما نتيجة مفاسد الملك و حاشيته.

في ذلك الوقت كانت مصر تتعرض لظروف اقتصادية صعبة، أسهم فيها الملك و الحكومة معاً ، حيث جمعتهما صفقات علي حساب المصريين، فكان ذلك إذاناً بالانهيار و تحرك الشعب ضد النظام باكمله.

و علي الرغم أن وزارة النحاس أبدت تعاوناً كبيراً مع الملك في تصريف مصالحه، إلا أن الملك ما لبث أن مل منها و أراد التخلص منها و تحميلها وزر الظروف الإقتصادية المتردية.

و كانت وزارة النحاس تحس بدنو أجل إقالتها فعمدت إلي لعبة سياسية إنقاذا لشعبيتها،  فقامت بإلغاء معاهدة 1936م، و تم في ذلك في مساء 8 أكتوبر 1951م. و أقدمت الحكومة علي هذه الخطوة في ذلك التوقيت حتي تمنع الملك من إقالتها، لأن إقالتها في ذلك الوقت سيجعلها تبدو أمام المصريين شهيدة الوطنية.

و لكن الشعب كان يغلي كالبركان و يتحين فرصة الثورة، فقامت مظاهرات في 26 و 27 ديسمبر 1951 في القاهرة و الاسكندرية و عواصم المحافظات، و كان الطلبة العنصر الرئيسي فيها، و هتفت ضد بريطانيا و الملك و حافظ عفيفي الذي عينه فاروق رئيساً للديوان في 24 ديسمبر و كان معروفاً بميله للإنجليز.

و عندما ولد أحمد فؤاد في 16 يناير 1952م ،أقامت وزارة النحاس الاحتفالات و المجاملات، و كان هذا لا يتفق مع الأوضاع السيئة التي تمر بها البلاد.

اتسعت عمليات الفدائيين ضد القوات البريطانية في الإسماعيلية، و قامت القوات البريطانية بمهاجمة قرية صغيرة هي كفر أحمد عبده في الإسماعيلية و سوتها بالأرض لأن الأهالي رفضوا تسليم الفدائيين للقوات الإنجليزية. و تطور الأمر في يوم 25 يناير إلي معارك بين الجيش البريطاني و بلوكات النظام ( البوليس) الذي حاول حماية الأهالي، و ظهرت وحشية وضراوة الإنجليز و بطولة و تضحية البوليس المصري و سقط شهداء من البوليس المصري، فمثل هذا الحدث القشة التي قسمت ظهر البعير و جاء يوم 26 يناير يوم السبت الأسود ، يوم حريق القاهرة.

بدأت المأساة في الثانية من صباح ذلك اليوم، فتمرد عمال الطيران في مطار القاهرة تبعها تمرد بلوكات النظام، الذين زحفوا تجاه الجامعة و انجرف معهم الطلبة، و اتجهوا إلي مبني رئيس الوزراء مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا و إعلان الحرب عليها، فأجابهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الإجتماعية بأن الوفد يرغب في ذلك و لكن الملك يرفض، فقصد المتظاهرين قصر عابدين و انضم إليهم طلبة الأزهر و تجمعت حشود المتظاهرين الساخطين علي الملك و أعوانه و الإنجليز.

و ما أن انتصف اليوم حتي بدأت الشرارة الأولي للحريق من ميدان الأوبرا، و انتشرت النيران في فندق شبرد و نادي السيارات و بنك بركليز، و غيرها من الأماكن و الملاهي الليلية التي ارتبطت بارتياد فاروق لها و المؤسسات ذات العلاقة بالمصالح البريطانية و سادت الفوضي و أعمال السلب و النهب، و قتل اثنا عشر شخصاً ممن كانوا يتعاونون مع الاحتلال البريطاني.

و يختلف المؤرخون عن من يكون وراء الحرائق التي اشتعلت في القاهرة في ذلك اليوم، فهناك من يقول أن الملك فاروق كان وراءها ليتخلص من وزارة النحاس باشا، و هناك من يقول الإنجليز و ذلك للتخلص من وزارة النحاس التي ساءت علاقتها بهم بعد إلغاء معاهدة 1936م ، وهناك من يقول حزب مصر الفتاة و الإخوان المسلمين.

و الحقيقة أن الحدث كان كبيراً و حاول كل طرف أن يستغله لصالحه ضد الأطراف الأخري، و لكن الأيام التي تلت دلت علي أن الحدث كانت له نتائج فاقت كل التوقعات و عصفت بمصالح كل الأطراف لصالح ما يريده الشعب.

انتهز الملك فاروق لهذا الحدث الجلل و حمٌل وزارة النحاس مسئولية ما حدث و أقالها في يوم 27 يناير 1952 و أعلن الأحكام العرفية و كلف علي ماهر بتشكيل الوزارة.

أدرك علي ماهر بحسه السياسي و فطنته أن الأجواء الحالية تكاد تعصف بالملك وعرشه، لذلك عمد إلي محاولات إصلاح و تطهير القصر و الحكومة إنقاذاً للنظام كله، و لكن فاروقاً كان أقل حكمة من أن يستجيب لتلك المحاولات التي ربما كانت كفيلة بانقاذ عرشه، فسار فاروق وراء غروره و تسلطه و أقال وزارة علي ماهر في أول مارس، فلم تمكث أكثر من شهرين، و كلف نجيب الهلالي بتشكيل الوزارة الجديدة. و بذلك بدأ العد التنازلي لنهاية هذا العهد.

للمشاركة