انت تستخدم متصفح انترنت قديم مما يعوق أداء المواقع الحديثة. من فضلك حدث المتصفح الى  انترنت اكسبلورر 8.0موزيلا فَيَرفُكس, او  جوجل كروم.
من أجل استعادة ذاكرة الأمة

العيب في الذات الحاكمة .. من المتنبي إلي بيرم و نجم

7,079 زيارة 0 تعليق
(No Ratings Yet)

عادةً ما تكون العلاقة بين السلطان و صاحب الكلمة إما علاقة حميمية للغاية أو علاقة عدوانية جداً. فالحاكم لا يطيق إلا أن يزمر و يصفق له أصحاب الكلمة و الرأي، فهو يدرك خطورتهم علي الرأي العام و استقرار ملكه و خضوع الرعية لسلطانه. لذلك هو لا يرحب بالنقد حتي و إن كان بناءاً،  أو اللوم حتي و إن كان في محله. و طبعاً لا يرحب بالتجريح و التوبيخ و الاستهزاء و كل ما ينتقص من هيبته السلطانية.

ليس لدينا الكثير من قصص  العيب في الفترة ما قبل عهد محمد علي، اللهم إلا قصص هجاء المتنبي لكافور الأخشيدي، حاكم مصر في الفترة من 334 إلي 358 هج.

و علي مر تاريخ مصر الحديث وقع أصحاب الكلمة بكل أشكالها في خصومة مع الحاكم. وهي خصومة غير متكافئة القوة. فصاحب الكلمة، و إن كان يبدو الأضعف، فإن كلمته تعيش و تتخطي العصور و تتحدي الزمن و تظل باقية تطٌلع عليها الأجيال المتعاقبة لتفضح مساوئ الحاكم و تظهر ما سعي جاهداً أن يخفيه.

 

كانت البداية مع يعقوب صنوع أو ” أبو نضارة” الذي ألف كثير من المسرحيات و نشر العديد من المقالات ينعي فيها حال الفقير في مصر و يوجٌه أصابع اللوم للحاكم الذي كان في ذلك الوقت الخديوي اسماعيل، فاسرعت السلطات بإغلاق مسرحه عام 1872 م و قامت بنفيه خارج مصر، فعاش في باريس و ظل ينشر آراءه الناقدة في جريدته من هناك.

و في عهد عباس حلمي الثاني، قُدم مصطفي لطفي المنفلوطي للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الخديوية عندما استقبل الخديو عباس عند رجوعه لمصر من الآستانة عام 1897 م بقصيدة هجاء قال فيها:

قدوم و لا أقول سعيد                     و مُلك و إن طال سيبيد

يذكرنا مرآك أيام أنزلت                    علينا خطوب من جدودك سود

و حكم علي المنفلوطي بالسجن لمدة عام.

كما حُكم علي الشيخ الغاياتي عام 1910م بالحبس لمدة سنة لتأليفه ديواناً شعرياً بعنوان “وطنيتي” يحتوي، كما تقول حيثيات الحكم، علي تحريض ضد الحكومة و الازدراء بها و تحبيذ الجرائم و العيب في حق الذات الخديوية. كما حُكم علي الزعيم الوطني محمد فريد بالحبس ستة أشهر لأنه قام بكتابة مقدمة لهذا الديوان.

و في عهد السلطان أحمد فؤاد الذي حكم مصر بين عامي 1917 و 1936 م، حُكم علي الشاعر بيرم التونسي (1893- 1961) بالنفي خارج مصر عام 1920 م بسبب الأزجال العامية التي ألفها بمناسبة زواج الملك فؤاد من نازلي و ما قاله بمناسبة مولد ولي العهد فاروق. و هي أزجال تضمنت طعناً في شرف السلطانة نازلي و تشكيكاً في نسبة ولي العهد لأبيه. و من أزجاله:

سلطان بلدنا حرمته جابت

ولد و قال سموه فاروق

يا فاروق فارقنا بلا نيله

دي مصر مش عايزة لها رذيلة

و في عهد الملك فؤاد أيضاً، حُكم علي عباس محمود العقاد عام 1930 بالحبس تسعة أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية.

و في عهد ابنه الملك فاروق الذي حكم مصر بين عامي 136 و 1952 م، و بالتحديد في مارس 1952 م، أي قبل قيام الثورة بعدة أشهر، صادرت الرقابة العدد العاشر من سلسلة “كتاب الهلال” الذي صدر بعنوان “عرابي: الزعيم الثائر” للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي، و ذلك بدعوي أن الكتاب يتهم الخديو توفيق، عم الملك فاروق، بالخيانة و التواطؤ مع الجيش البريطاني الذي أحتل مصر عام 1882م. فالتهمة في هذه الحادثة كانت العيب في “عم الذات الملكية”.

و حتي بعد إلغاء الملكية و قيام الجمهورية ، ظل العداء قائماً بين الحاكم و صاحب الكلمة، و لكن التهمة تغير اسمها من العيب في الذات الملكية إلي الخيانة و العمالة، و معاداة الشعب.

ففي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حدث و لا حرج عن إغلاق الصحف و المجلات و حل الأحزاب و حوادث الفصل و الاعتقال و المحاكمات التي طالت كل التيارات الفكرية من صحفيين و كتاب و أساتذة جامعيين و ساسة و قضاة. و نذكر هنا علي سبيل المثال و ليس الحصر اعتقال الكاتب الصحفي احسان عبد القدوس في بداية عهد الثورة عندما تجرأ و كتب عن مجلس قيادة الثورة في مقاله الشهير ” جمعية سرية تحكم مصر”

و في عهد الرئيس محمد انور السادات، قُدم الشاعر العامي أحمد فؤاد نجم للمحاكمة بتهمة تأليفه قصيدة “بيان هام” تضمنت سباً و قذفاً في حق رئيس الجمهورية. و قد سبقها قصائد أخري مهدت للمحاكمة.

كان “أوأه” هو الاسم الرمزي الذي أطلقه نجم علي السادات. و من ضمن ما قاله: أوأه المجنون أبو برقوقة / عيرة و براني و ملزوقة / نصٌاب/ و منافق / و دماغه مليانة مناطق موبوءة”.

كما كتب نجم يستنكر زيارة نيكسون لمصر عام 1974م و يستهزئ بالطبل و الزمر الذي صاحب رحلة نيكسون بالقطار بين المدن و المحافظات، فكتب يقول لنيكسون: جواسيسك يوم تشريفك / عملوا لك دقٌة و زار/ تتقصع فيه المومس / و القارح و المندار / و الشيخ شمهورش راكب / ع الكوديا و هات يا مواكب / و بواقي الزفة عناكب / ساحبين من تحت الحيط / و أهو مولد ساير داير / شي لله يا أصحاب البيت”.

أما قصيدة “بيان هام” التي حُكم بسببها علي نجم فهي تتكلم عن حاكم فاسد اسمه “شحاته المعسل”، الذي يقصد به الرئيس أنور السادات، يتكلم عن نفسه و يبرر الفساد الذي صاحب الانفتاح، فيقول ” ح يطلع لي عيل / بدون أي حاجة / يعمل لي فلحس / و يقعد يحاسب/ دا حقد اشتراكي أنا مقبلوش / و لو هو أبني أنا ما اعتقوش “.

و إن كان أصحاب الكلمة تعرضوا للنفي و الاعتقال و الارهاب، فيكفيهم أن كلمتهم عاشت و يقرأها الآن الأجيال الحالية ليعرفوا حقيقة العهود السابقة.

 

المراجع:

  • الموسوعة العربية الميسرة، دار الجيل و الجمعية المصرية لنشر المعرفة و الثقافة العالمية، الطبعة الثانية 2001
  • تاريخ مصر في عهد الخديو اسماعيل باشا من سنة 1863 إلي 1879 ، المجلد الأول و الثاني،  إلياس الأيوبي، من سلسلة صفحات من تاريخ مصر، مكتبة مدبولي القاهرة ، 1996 م
  • موسوعة نساء و رجال من مصر ، لمعي المطيعي، دار الشروق، 2003
  • معركة بين الدولة و المثقفين ، فتحي غانم، دار أخبار اليوم، سبتمبر 1995
  • شاعر تكدير الأمن العام ، صلاح عيسي ، دار الشروق، 2007

عادةً ما تكون العلاقة بين السلطان و صاحب الكلمة إما علاقة حميمية للغاية أو علاقة عدوانية جداً. فالحاكم لا يطيق إلا أن يزمر و يصفق له أصحاب الكلمة و الرأي، فهو يدرك خطورتهم علي الرأي العام و استقرار ملكه و خضوع الرعية لسلطانه. لذلك هو لا يرحب بالنقد حتي و إن كان بناءاً،أو اللوم حتي و إن كان في محله. و طبعاً لا يرحب بالتجريح و التوبيخ و الاستهزاء و كل ما ينتقص من هيبته السلطانية.

ليس لدينا الكثير من قصص العيب في الفترة ما قبل عهد محمد علي، اللهم إلا قصص هجاء المتنبي لكافور الأخشيدي، حاكم مصر في الفترة من 334 إلي 358 هج.

و علي مر تاريخ مصر الحديث وقع أصحاب الكلمة بكل أشكالها في خصومة مع الحاكم. وهي خصومة غير متكافئة القوة. فصاحب الكلمة، و إن كان يبدو الأضعف، فإن كلمته تعيش و تتخطي العصور و تتحدي الزمن و تظل باقية تطٌلع عليها الأجيال المتعاقبة لتفضح مساوئ الحاكم و تظهر ما سعي جاهداً أن يخفيه.

كانت البداية مع يعقوب صنوع أو ” أبو نضارة” الذي ألف كثير من المسرحيات و نشر العديد من المقالات ينعي فيها حال الفقير في مصر و يوجٌه أصابع اللوم للحاكم الذي كان في ذلك الوقت الخديوي اسماعيل، فاسرعت السلطات بإغلاق مسرحه عام 1872 م و قامت بنفيه خارج مصر، فعاش في باريس و ظل ينشر آراءه الناقدة في جريدته من هناك.

و في عهد عباس حلمي الثاني، قُدم مصطفي لطفي المنفلوطي للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الخديوية عندما استقبل الخديو عباس عند رجوعه لمصر من الآستانة عام 1897 م بقصيدة هجاء قال فيها:

قدوم و لا أقول سعيدو مُلك و إن طال سيبيد

يذكرنا مرآك أيام أنزلتعلينا خطوب من جدودك سود

و حكم علي المنفلوطي بالسجن لمدة عام.

كما حُكم علي الشيخ الغاياتي عام 1910م بالحبس لمدة سنة لتأليفه ديواناً شعرياً بعنوان “وطنيتي” يحتوي، كما تقول حيثيات الحكم، علي تحريض ضد الحكومة و الازدراء بها و تحبيذ الجرائم و العيب في حق الذات الخديوية. كما حُكم علي الزعيم الوطني محمد فريد بالحبس ستة أشهر لأنه قام بكتابة مقدمة لهذا الديوان.

و في عهد السلطان أحمد فؤاد الذي حكم مصر بين عامي 1917 و 1936 م، حُكم علي الشاعر بيرم التونسي (1893- 1961) بالنفي خارج مصر عام 1920 م بسبب الأزجال العامية التي ألفها بمناسبة زواج الملك فؤاد من نازلي و ما قاله بمناسبة مولد ولي العهد فاروق. و هي أزجال تضمنت طعناً في شرف السلطانة نازلي و تشكيكاً في نسبة ولي العهد لأبيه. فقد قال:

الوزة من قبل الفرح مدبوحة

و العطفة من قبل النظام مفتوحة

و لما جه الأمر الكريم بالدخلة

قلنا اسكتوا خلو البنات تتستر

و قال في المولود فاروق:

سلطان بلدنا حرمته جابت

ولد و قال سموه فاروق

يا فاروق فارقنا بلا نيله

دي مصر مش عايزة لها رذيلة

و في عهد الملك فؤاد أيضاً، حُكم علي عباس محمود العقاد عام 1930 بالحبس تسعة أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية.

و في عهد ابنه الملك فاروق الذي حكم مصر بين عامي 136 و 1952 م، و بالتحديد في مارس 1952 م، أي قبل قيام الثورة بعدة أشهر، صادرت الرقابة العدد العاشر من سلسلة “كتاب الهلال” الذي صدر بعنوان “عرابي: الزعيم الثائر” للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي، و ذلك بدعوي أن الكتاب يتهم الخديو توفيق، عم الملك فاروق، بالخيانة و التواطؤ مع الجيش البريطاني الذي أحتل مصر عام 1882م. فالتهمة في هذه الحادثة كانت العيب في “عم الذات الملكية”.

و حتي بعد إلغاء الملكية و قيام الجمهورية ، ظل العداء قائماً بين الحاكم و صاحب الكلمة، و لكن التهمة تغير اسمها من العيب في الذات الملكية إلي الخيانة و العمالة، و معاداة الشعب.

ففي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حدث و لا حرج عن إغلاق الصحف و المجلات و حل الأحزاب و حوادث الفصل و الاعتقال و المحاكمات التي طالت كل التيارات الفكرية من صحفيين و كتاب و أساتذة جامعيين و ساسةو قضاة. و نذكر هنا علي سبيل المثال و ليس الحصر اعتقال الكاتب الصحفي احسان عبد القدوس في بداية عهد الثورة عندما تجرأ و كتب عن مجلس قيادة الثورة في مقاله الشهير ” جمعية سرية تحكم مصر”

و في عهد الرئيس محمد انور السادات، قُدم الشاعر العامي أحمد فؤاد نجم للمحاكمة بتهمة تأليفه قصيدة “بيان هام” تضمنت سباً و قذفاً في حق رئيس الجمهورية. و قد سبقها قصائد أخري مهدت للمحاكمة.

كان “أوأه” هو الاسم الرمزي الذي أطلقه نجم علي السادات. و من ضمن ما قاله: أوأه المجنون أبو برقوقة / عيرة و براني و ملزوقة / نصٌاب/ و منافق / و دماغه مليانة مناطق موبوءة”.

كما كتب نجم يستنكر زيارة نيكسون لمصر عام 1974م و يستهزئ بالطبل و الزمر الذي صاحب رحلة نيكسون بالقطار بين المدن و المحافظات، فكتب يقول لنيكسون: جواسيسك يوم تشريفك / عملوا لك دقٌة و زار/ تتقصع فيه المومس / و القارح و المندار / و الشيخ شمهورش راكب / ع الكوديا و هات يا مواكب / و بواقي الزفة عناكب / ساحبين من تحت الحيط / و أهو مولد ساير داير / شي لله يا أصحاب البيت”.

أما قصيدة “بيان هام” التي حُكم بسببها علي نجم فهي تتكلم عن حاكم فاسد اسمه “شحاته المعسل”، الذي يقصد به الرئيس أنور السادات، يتكلم عن نفسه و يبرر الفساد الذي صاحب الانفتاح، فيقول ” ح يطلع لي عيل / بدون أي حاجة / يعمل لي فلحس / و يقعد يحاسب/ دا حقد اشتراكي أنا مقبلوش / و لو هو أبني أنا ما اعتقوش “.

و إن كان أصحاب الكلمة تعرضوا للنفي و الاعتقال و الارهاب، فيكفيهم أن كلمتهم عاشت و يقرأها الآن الأجيال الحالية ليعرفوا حقيقة العهود السابقة.

المراجع:

1.الموسوعة العربية الميسرة، دار الجيل و الجمعية المصرية لنشر المعرفة و الثقافة العالمية، الطبعة الثانية 2001

2.تاريخ مصر في عهد الخديو اسماعيل باشا من سنة 1863 إلي 1879 ، المجلد الأول و الثاني،إلياس الأيوبي، من سلسلة صفحات من تاريخ مصر، مكتبة مدبولي القاهرة ، 1996 م

3.موسوعة نساء و رجال من مصر ، لمعي المطيعي، دار الشروق، 2003

4.معركة بين الدولة و المثقفين ، فتحي غانم، دار أخبار اليوم، سبتمبر 1995

  1. شاعر تكدير الأمن العام ، صلاح عيسي ، دار الشروق، 2007

للمشاركة