انت تستخدم متصفح انترنت قديم مما يعوق أداء المواقع الحديثة. من فضلك حدث المتصفح الى  انترنت اكسبلورر 8.0موزيلا فَيَرفُكس, او  جوجل كروم.
من أجل استعادة ذاكرة الأمة

حصاد شهر يناير علي مر تاريخ مصر

5,206 زيارة 0 تعليق
(2 votes, average: 5.00 out of 5)

شهر يناير من الأشهر المليئة بالأحداث في تاريخ مصر. و هذه المختارات من أحداث يناير علي مر تاريخ مصر الحديث تتضمن أحداث قاتمة مثل حصار المغول لبغداد و أحداث الإسماعيلية الدامية و ما تبعها من حرائق القاهرة، و أخري سعيدة مثل فوز الوفد في الانتخابات و تشكيل وزارة سعد زغلول و ما تمثله من انتصار إرادة الشعب.

و بما أن الكتب التي تناولت تاريخ مصر الإسلامي قد ركزت علي التاريخ الهجري أكثر من الميلادي، فسنجد أن كل الأحداث التي جمعناها اليوم في حصاد شهر يناير تقع في حقبة تاريخ مصر الحديث، و لا يستثني من ذلك إلا أحداث حصار بغداد علي يد المغول و سقوط حلب في أيديهم.

و قد يتعجب القارئ من تناولنا لسقوط بغداد و حلب في يد المغول ضمن أحداث تاريخ مصر، و الحقيقة أن هجمات المغول علي الخلافة العباسية الإسلامية و سقوط بغداد و من بعدها مدن الشام كان له أبلغ الأثر في تاريخ مصر. فبغداد كانت في ذلك الوقت عاصمة الإمبراطورية الإسلامية مترامية الأطراف، و أثر سقوطها في يد الأعداء بالنسبة لبقية الولايات الإسلامية يماثل سقوط القاهرة اليوم بالنسبة لمصر كلها.

لنبدأ بحصار بغداد، و ما أشبه اليوم بأمس:

كانت بداية سقوط الخلافة العباسية علي يد زعيم المغول جانكيز خان الذي هاجم الأقاليم المسلمة في بلاد خوارزم، و استطاع عام 1219 م احتلال بخاري و سمرقند و بالكاه و حولها إلي خرائب. و لكن موت جانكيز خان عام 1241 م أعطي للخلافة العباسية فرصة للاستعداد، وهي فرصة لم يستغلها الخليفة العباسي.

و لكن ما لبث أن استأنف حفيده هولاكو ضرباته للخلافة العباسية، و أتجه هذه المرة نحو القلب مباشرةً، ففي عام 1256 أرسل هولاكو إلي الخليفة العباسي المستعصم إنذاراً طالباً فيه تسليم بغداد و هدم كل دفاعاتها ثمناً لحياته.

هولاكو

حاول الخليفة أن يراوغ في الرد علي إنذار هولاكو . و لكن هولاكو رد عليه بحصار بغداد في يناير 1258 م و صوب قاذفاته نحو حائط المدينة. فعرف الخليفة أن الخلافة ذاهبة لا محالة، فارسل وزيره ليتفاوض مع هولاكو علي شروط تسليم المدينة. و لكن وزيره كان علوياً ناقماً علي الخليفة العباسي، فانقلب خائناً لسيده و ساعد المغول علي دخول حي الكارخ في بغداد.

حاول المستعصم أن يخوف هولاكو من أن الله سوف يعاقب العالم إذا قتل الخليفة و أن الشمس ستكف عن إرسال ضوئها، و لن يسقط المطر، و سوف تتوقف الحياة . و لكن هولاكو لم يعر هذا الكلام إهتماماً و استغل خيانة وزير الخليفة العباسي له و أرسل للخليفة رسالة يتعهد فيها أنه إذا جاء الخليفة مع كل حاشيته و سلم نفسه بنفسه فسوف يعفو عنه هولاكو.

وقع الخليفة العباسي المذعور المستعصم بالله في هذه الخدعة و جاء بكل عائلته و حاشيته إلي خيمة هولاكو ، وعندما تجمعوا انقض عليهم المغول و ذبحوهم جميعاً و قتلوا كل من كان حياً من العباسيين حتي لا تقوم للخلافة قائمة بعدها.

و لأول مرة منذ وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم تنقطع الخلافة الإسلامية و تصير الأمة الإسلامية بلا خليفة.

و في فبراير من العام نفسه اقتحم المغول بغداد، و عاثوا في الأرض فسادا ، فذبحوا أكثر من مليون شخص من الشعب بما في ذلك النساء و الأطفال في مذابح استمرت 40 يوما.ً و كانت الرائحة الكريهة المنبعثة من الجثث المتحللة لا تطاق حتي أن هولاكو اضطر لسحب جيشه خارج المدينة مؤقتاً.

المغول و سقوط الخلافة العباسية

و أشعل المغول الحرائق في المكتبات و المدارس و ألقوا بالكتب في النهر حتي صنعت جسراً عبر عليه المغول بخيولهم،  و اندثر جزء كبير من تراث الحضارة الإسلامية في الآداب و الفنون و العلوم.

و الحدث التالي هو سقوط حلب في يد المغول في يناير من عام 1260م، و أصابها ما أصاب المدن التي سبقتها، و قتل من أهلها خمسون ألفاً و أسر الباقي. و بعدها سقطت دمشق بدون مقاومة، و صار الطريق مفتوحاً للمغول نحو مصر.

 

 

 

 

ننتقل بعد ذلك إلي العصر الحديث، ففي 18 يناير 1863م توفي سعيد باشا و هو رابع حكام أسرة محمد علي، حكم مصر من سنة 1854 إلي 1863م. و توفي و هو في الأربعين من عمره من مرض الناسور. و دفن بالأسكندرية.

سعيد باشا

اشتهر سعيد باشا بأنه هو الذي أعطي امتياز حفر قناة السويس لدليسبس، و هو أول من بدأ سياسة الاستدانة من الخارج.

في 3 يناير 1881م تحولت الأهرام إلي جريدة يومية. و كان الخديوي إسماعيل هو الذي وافق علي التماس تقدم به سليم تكلا السوري لإنشاء مطبعة الأهرام في 27 ديسمبر 1875 م. و في 5 أغسطس 1876 م صدر العدد الأول من جريدة الأهرام الأسبوعية من 4 صفحات، و بعدها بأقل من خمس سنوات تحولت الأهرام إلي جريدة يومية.

و في 8 يناير 1892م، تولي عباس حلمي عرش مصر خلفاً للخديوي محمد توفيق الذي توفي بصورة مفاجئة. حكم عباس حلمي مصر 22 عاماً من 1892 م إلي 1914م حتي خلعه الإنجليز عن العرش و أعلنوا الحماية علي مصر استعداداً للحرب العالمية الأولي.

في يناير 1924 م، قامت انتخابات حرة و نزيهة بعد الإفراج عن سعد زغلول و زملائه و إطلاق تصريح 28 فبراير و صدور دستور 1923 م . أسفرت الانتخابات عن فوز الوفد بزعامة سعد زغلول باكتساح. و شكل سعد زغلول أول وزارة يرأسها مصري من أصول ريفية، و سميت وزارة الشعب. و هي الوزارة الوحيدة التي شكلها سعد زغلول، و لكنها لم تستمر كثيراً بسبب حادثة اغتيال سير لي ستاك، اضطر بعدها سعد زغلول للاستقالة لرفضه مطالب الإنجليز.

و كاد سعد زغلول يتولي رئاسة الوزراء مرة أخري، لولا أن بريطانيا هددت بإعادة احتلال كل مصر ( و كانت قد انسحبت من بعض المناطق بعد تصريح 28 فبراير)، و قامت بالفعل بارسال قطع بحرية تجاه شواطئ الأسكندرية في مظاهرة تهديدية، فقرر سعد زغلول التخلي عن الوزارة حتي لا يعرض مصر لنكبة أخري مثل عام 1882م.

و بعدها بثلاث سنوات توفي سعد زغلول في 23 أغسطس 1927م، و خلفه مصطفي النحاس في زعامة الوفد.

و في 20 يناير 1938م، أقيم حفل زفاف الملك فاروق علي الملكة فريدة. و الملكة فريدة اسمها الأصلي صافيناز سعيد ذو الفقار. و أنجب فاروق من زوجته فريدة ثلاث بنات هن: فريال و فوزية و فادية. و تم الطلاق بينهما في 19 نوفمبر 1948م بعد زواج دام حوالي 11 عاماً. ثم تزوج فاروق من ناريمان و أنجب منها ابنه الوحيد أحمد فؤاد.

ثم جاء شهر يناير من عام 1952م و كان مليئاً بأحداث خطيرة شكلت علامات فارقة في تاريخ مصر الحديث.

كانت البداية مع مولد أحمد فؤاد ابن فاروق يوم 16 يناير، فقد صاحب مولده احتفالات في القصر الملكي و مجاملات من الحكومة لا تتفق مع المناخ العام في الشارع المصري الذي كان يغلي كالبركان بعد قيام حكومة النحاس بإلغاء اتفاقية 1936م من جانب واحد، و هو ما يعني أن الوجود العسكري البريطاني في منطقة القناة أصبح غير شرعي بعد إلغاء المعاهدة.

فنشطت العمليات الفدائية التي كان يقوم بمعظمها الطلبة و العمال ضد معسكرات الإنجليز في القناة. و لكن قوات الإنجليز ردت علي عمليات الفدائيين بكل عنف و قسوة ضد الأهالي بتهمة إيواء الفدائيين.

اتسعت عمليات الفدائيين ضد القوات البريطانية في الإسماعيلية، و قامت القوات البريطانية بمهاجمة قرية صغيرة هي كفر أحمد عبده في الإسماعيلية و سوتها بالأرض، لأن الأهالي رفضوا تسليم الفدائيين للقوات الإنجليزية. و تطور الأمر إلي معارك بين الجيش البريطاني و بلوكات النظام ( البوليس) الذي حاول حماية الأهالي من بطش الإنجليز.

و في 25 يناير 1952م وصلت الأمور لذورتها عندما طوقت قوات الاحتلال البريطاني مبني محافظة الإسماعيلية و ثكنات بلوكات النظام ( قوات البوليس)، و طالبوا الجانب المصري بتسليم كل أسلحة البوليس و إخلاء مبني المحافظة و الثكنات، و رحيل كل القوات خارج الإسماعيلية.

رفض قائد بلوكات النظام أحمد رائف تسليم أسلحته، و صمم علي الدفاع عن مبني المحافظة الذي يمثل وجود مصر الشرعي فوق أراضيها، و تحصن مع قواته داخل المبني و ثكناته.

فما كان من قائد القوات البريطانية إلا أن أعطي الضوء الأخضر لقواته، فقامت بدك مبني المحافظة و ثكنات بلوكات النظام بالمدفعية و نيران الدبابات و حصدت نيران الرشاشات أرواح جنود البوليس المصريين، فقتل منهم 50 شهيداً و أصيب 80  و اُسر الباقي. و كانت خسائر القوات البريطانية 13 قتيلاً و 12 جريحاً.

ذلك اتخذت الشرطة المصرية هذا اليوم من كل عام عيداً قومياً لها تخليدا لذكري وقفة الشرطة أمام قوات الاحتلال.

و ما أن وصلت هذه الأخبار المفزعة إلي القاهرة في صباح اليوم التالي 26 يناير، حتي تحول هذا اليوم إلي يوم أسود في تاريخ مصر، يوم حريق القاهرة.

بدأت المأساة في الثانية من صباح ذلك اليوم بتمرد عمال الطيران في مطار القاهرة و رفضوا شحن و تفريغ مهمات الجيش الإنجليزي، تبعها تمرد بلوكات النظام (البوليس) تضامنا مع زملائهم الذين قتلوا في الإسماعيلية.

ثم زحف المتظاهرون تجاه الجامعة و انجرف معهم الطلبة، و اتجهوا إلي مبني رئيس الوزراء مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا و إعلان الحرب عليها، فأجابهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الإجتماعية بأن الوفد يرغب في ذلك و لكن الملك يرفض، فقصد المتظاهرين قصر عابدين و انضم إليهم طلبة الأزهر و تجمعت حشود المتظاهرين الساخطين علي الملك و أعوانه و الإنجليز.

و ما أن انتصف اليوم حتي بدأت الشرارة الأولي للحريق من ميدان الأوبرا، و انتشرت النيران في فندق شبرد و نادي السيارات و بنك بركليز، و غيرها من الأماكن و الملاهي الليلية التي ارتبطت بارتياد فاروق لها و المؤسسات ذات العلاقة بالمصالح البريطانية، و سادت الفوضي و أعمال السلب و النهب، و قتل اثنا عشر شخصاً و دمرت النيران ما يزيد عن 700 مكان.

و يختلف المؤرخون عن من يكون وراء حريق القاهرة في ذلك اليوم، فهناك من يقول أن الملك فاروق كان وراءها ليتخلص من وزارة النحاس باشا، و هناك من يقول الإنجليز و ذلك للتخلص من وزارة النحاس التي ساءت علاقتها بها بعد إلغاء معاهدة 1936م، وهناك من يقول حزب مصر الفتاة و الإخوان المسلمين.

و الحقيقة أن الحدث كان كبيراً و حاول كل طرف أن يستغله لصالحه ضد الأطراف الأخري، و لكن الأيام التي تلت دلت علي أن الحدث كانت له نتائج فاقت كل التوقعات و عصفت بمصالح كل الأطراف لصالح ما يريده الشعب.

للمشاركة