انت تستخدم متصفح انترنت قديم مما يعوق أداء المواقع الحديثة. من فضلك حدث المتصفح الى  انترنت اكسبلورر 8.0موزيلا فَيَرفُكس, او  جوجل كروم.
من أجل استعادة ذاكرة الأمة

تاريخ امتياز حفر قناة السويس >

19,728 زيارة 0 تعليق
(No Ratings Yet)
كلمات رئيسية

تاريخ امتياز حفر قناة السويس

كانت المنافسة التجارية محتدمة بين القوي الكبري منذ القرن الخامس عشر للوصول إلي طرق مؤدية من أوروبا إلي المشرق (بلاد الهند و جنوب شرق آسيا ) لقطع الطريق علي الوسطاء المسيطرين علي هذه التجارة و هم الإيطاليين بصفة خاصة الذين كانوا يجلبون البضائع القادمة من المشرق و التي تباع في اسواق مصر إلي أوروبا . حتي أن اكتشاف العالم الجديد جاء مصادفة في خضم المحاولات لاكتشاف طريق جديد للهند لا يمر بطريق البحر الأحمر- مصر – البندقية و جنوة. و بالفعل اكتشف البرتغاليين طريق رأس رجاء الصالح سنة 1488 م مما أدي إلي تحول طريق التجارة عن مصر و إلي إنهيار دولة المماليك في مصر (م1517) و إضمحلال ممالك جنوة و البندقية الإيطاليتين.

و من الجدير بالذكر أن الإيطاليين أوعزوا إلي المماليك شق قناة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط لمنافسة طريق رأس رجاء الصالح البحري، و لما علم البرتغاليون بذلك هددوا المماليك بالاتفاق مع الأحباش علي تحويل مجري مياه النيل عن مصر إلي البحر الأحمر.[1]

ظلت القوي الكبري تسلك طريق رأس رجاء الصالح للوصول إلي الهند و تبادلت الغلبة في أعالي البحار، أولهم البرتغاليون ثم الهولانديون و الأسبان و الفرنسيون و أخيرا الإنجليز.

و في سياق هذه المنافسة الشرسة جاء نابليون إلي مصر 1798 م و أمر علمائه بدراسة إمكانية شق قناة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط للسيطرة علي أقصر الطرق للشرق. و لكن كبير مهندسي الحملة لوبير Le Pere  أشار أن البحر الأحمر غالبا أعلي مستوي من البحر المتوسط و اقترح شق قناة من خليج السويس إلي القاهرة ثم تتصل بالبحر المتوسط عن طريق توصيلة إلي فرع النيل إلي دمياط و أخري إلي فرع النيل إلي رشيد.[2] و لكن خسارة فرنسا لأسطولها في معركة أبي قير سنة 1798م عجل بخروج الفرنسيين من مصر و لم يكتب للمشروع التنفيذ.

و عاد الفرنسيون لاقتراح المشروع علي محمد علي سنة 1833م ، و خاصة أن العالم الفرنسي لينان بك الذي كان في خدمة مصر أيام محمد علي قد قرر بعد مراجعات وقياسات لمستوي البحرين أن البحرين في مستوي واحد تقريبا. تردد محمد علي في موضوع شق القناة لما يعلمه من الصراع الشرس الدائر بين القوي الكبري علي الممرات المائية في العالم و قال قولته الشهيرة : ” لا أريد بوسفوراً في مصر ” .و عندما استشار محمد علي الأمير دي مترنيجKlemens Von Metternich  كبير وزراء النمسا أشار عليه أن يبرم معاهدة دولية بين القوي الكبري تحفظ حرية العبور في القناة لكل السفن و حيادها. و لكن إنجلترا المعادية لمحمد علي و فرنسا وقفت ضد إبرام مثل هذه المعاهدة، و لم تبرم هذه المعاهدة إلا في عام 1888 و صدقت عليها بريطانيا في 1904م [3]

جاء فردينان دليبسبس إلي مصر قنصلا لفرنسا في الاسكندرية سنة 1832م في عهد محمد علي، و كان محمد علي يدين بالفضل لأبوه ماتيو ديليسبس الذي ساعد في تدعيم مركزه و تثبيته واليا علي مصر  من قبل الباب العالي. لذلك قرٌب محمد علي ابنه فردينان إلي أسرته حتي أنه لازم سعيد باشا في طفولته و شبابه.[4]

جاءت فكرة إحياء مشروع شق القناة لدليسبس من مسيو ميمو قنصل فرنسا السابق في مصر و قرر أن يفاتح بها الخديو سعيد مستغلا قربه منه. تحمس سعيد للفكرة بشدة و وافق ديليسبس علي إصدار فرمان مبدئي يحدد شروط الامتياز و ما للحكومة المصرية و ما عليها من واجبات، و صدر الفرمان في 30 نوفمبر 1854م و كانت أهم شروطه:

  1. أن تكون مدة الامتياز 99 عاما من يوم افتتاح القنال
  2. أن توزع 10% من أرباح الشركة علي الأعضاء المؤسسين الذين تعاونوا بأموالهم و علمهم و أعمالهم علي إنفاذ المشروع قبل تأسيس الشركة
  3. تعامل كل الدول نفس المعاملة من حيث الرسوم المقررة علي السفن المارة بدون امتيازات لأي دولة.
  4. أن تقوم الشركة بشق ترعة حلوة من مياه النيل ( ترعة الاسماعيلية حاليا) علي نفقة الشركة
  5. أن تترك الحكومة المصرية الأراضي غير المزروعة و الصالحة للزراعة للشركة للانتفاع بها و ريها من مياه الترعة الحلوة بدون ضرائب لمدة عشر سنوات و بضريبة العشر لمدة 89 سنة و بضريبة المثل بعد ذلك.
  6. للشركة امتياز استخراج المواد الخام اللازمة للمشروع من المناجم و المحاجر الحكومية دون ضرائب، و كذلك إعفاء الشركة من الرسوم الجمركية علي جميع الآلات و المواد التي تستوردها.
  7. أن تأخذ الحكومة المصرية 15% سنويا من صافي أرباح الشركة

شكل دليسبس لجنة دولية من علماء أكبر الدول المنتفعة بالقناة لإعداد تقرير يكون هو القول الفصل فنيا في إمكانية شق القناة للرد علي حملة التشكيك التي قامت بها إنجلترا لعرقلة المشروع. قدمت اللجنة الدولية التقرير إلي سعيد باشا في يناير 1856م و كان يوصي بالآتي:

  1. شق قناة مباشرة من خليج الطينة إلي مدينة السويس هي أسهل و أرخص الطرق لتوصيل البحرين، و ستختصر طريق الشرق إلي النصف.
  2. نفقات المشروع تقدر بحوالي 200 مليون فرنكا (يشمل فوائد رأس المال) و متوسط الإيرادات في حدود 30 مليون فرنكا سنويا.
  3. سيستغرق العمل بالقناة 6 سنوات في حالة عدم وجود صعوبات.
  4. كما أوصت اللجنة بشق ترعة المياه الحلوة لري أراضي منطقة السويس

اعتمد سعيد باشا قانون الشركة في 5 يناير 1856م ، في نفس اليوم أصدر فرمانا مفصلا للفرمان الأول 1854م و زاد عليه الآتي:

  1. تعيين فردنان دليسبس رئيسا للشركة بصفته مؤسسا لها مدة عشر سنوات من يوم بدء الملاحة في القناة.
  2. توريد أربعة أخماس العمال المطلوبين من المصريين.
  3. للشركة الحق في تحديد رسوم المرور دون الرجوع للحكومة المصرية علي ألا تزيد عن عشر فرنكات للطن الواحد.

و في 20 يوليو 1858م أصدر سعيد باشا قرارا بتحديد أجور العمال المصريين و أعدادهم و كيفية شغلهم و العناية بهم و بصحتهم.

و في 15 نوفمبر 1858م صدر الاكتتاب العام في شركة قناة السويس و استمر 15 يوما حتي 30 نوفمبر. طرح في الاكتتاب اربعمائة ألف سهم بواقع 500 فرنكا للسهم الواحد. و كانت نتيجة الإكتتاب: 207111 سهما لفرنسيون، 177642 سهما لمصر، الباقي لمساهمين من اسبانيا و إيطاليا و الدولة العثمانية و هولاندا و روسيا. و بذلك تكون فرنسا لها الأغلبية في مجلس الإدارة و إدارة القناة.[5]

إذن مصر كانت تملك حوالي 44 % من أسهم شركة القناة و 15% من أرباحها (بخلاف أرباح اسهمها)، فكيف خسرت مصر حصتها في شركة القناة و حصتها في الأرباح؟

عارضت إنجلترا مشروع القناة معارضة شديدة و وضعت أمامه العراقيل سرا و علانية علي الرغم أنه كان يخدم مصالحها ، و لكنه كان يخدم مصالح خصومها أيضا. و لكن دليسبس حصن المشروع بمؤيدين في أوروبا من فرنسا و النمسا و عند الباب العالي في الاستانة و استخدم الدعاية المضادة لدحض حجج إنجلترا في معارضتها للمشروع و حملات التشكيك التي كانت تشنها لتثني المستثمرين من المشاركة في الاكتتاب علي اسهم القناة.

أقنعت إنجلترا الباب العالي بأن المشروع ينتقص من سيادة مصر لأن الحكومة تنازلت للشركة عن أراضي و أطيان تزيد بكثير عن احتياج المشروع، كما أن توريد العمالة المصرية من الفعلة “ينتهك حرية الأفراد”. فأرسل الباب العالي إلي الخديو اسماعيل يأمره باستعادة الأراضي الزائدة عن حاجة المشروع ترعة المياه الحلوة و حذف تعهد الحكومة توريد الأنفار المصريين للعمل في المشروع و إلا فلن يصدق علي فرمان الامتياز.

و مع ضغط الباب العالي أضطر الخديو اسماعيل إلي دفع ملايين كتسويات لتقبل الشركة التنازل عن الأراضي الزائدة و ترعة المياه الحلوة و خفض العمالة المصرية المتفق عليها من 20 ألف عامل إلي 6 آلاف عامل فقط ، و خسرت مصر أموال طائلة لاستعادة ما كان سعيد باشا قد منحه مجانا للشركة، فبلغ مجموع التسويات التي دفعتها مصر 84 مليون فرنك، و شكلت هذا ضربة شديدة للمالية المصرية.[6]

و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، و إنما أرادت الحكومة أن تتنازل لها الشركة عن الأراضي المجاورة للمدن الجديدة و المستشفيات التي تدخل ضمن حيز الامتياز فقبلت الشركة مقابل 30 مليون فرنك تدفعها الحكومة للشركة. و لكن الحكومة التي بدأت تعاني عجزا في الميزانية لم تجد ما تدفعه فتنازلت عن كوبونات اسهمها في شركة القناة (أرباح الاسهم) لمدة 25 سنة !

و بالطبع يمكننا أن نتخيل أن الشركة كانت تغالي في تقييم أي أراضي أو مبان لتحصل علي أكبر قيمة من التعويض من الحكومة. و مثال علي ذلك أن الشركة اشترت أطيان تفتيش الوادي بمبلغ 200 فرنك للهكتار الواحد و باعته للحكومة المصرية ب500 فرنك للهكتار ![7]

و مما زاد من أزمة مصر المالية إنفاق مبلغ مليون و نصف جنيها علي حفل افتتاح القناة في 17 نوفمبر 1869م.

في 1875 مرت بمصر أزمة مالية طاحنة اضطر معها الخديو اسماعيل إلي بيع حصة مصر من أسهم القناة للحكومة الإنجليزية بمبلغ مائة مليون فرنك في 25 نوفمبر 1875م. و بذلك حلت الحكومة الإنجليزية محل المصرية في ملكية شركة قناة السويس.

و لكن الأزمة المالية لم تنفرج، و أرسلت الدول الدائنة لجنة لفحص الحالة المالية في مصر لتصفية الديون التي تدين بها مصر لدول نادي باريس و كان مؤمن علي هذه الديون بأرباح مصر (15%) من شركة القنال[8]. فقررت اللجنة بيع حصة مصر من الأرباح نظير مبلغ 22 مليون فرنكا. و حتي نتخيل فداحة الخسارة لمصر يكفي أن نعرف أن نصيب مصر من الأرباح السنوية كان سيبلغ حوالي 11 مليون فرنك في سنة 1908م وحدها[9]. و بذلك خسرت مصر حصتها من اسهم القناة و حصتها في الأرباح في ظرف 6 سنوات من افتتاح القناة.

بقي أن نعرف أنه في عام 1910 تقدمت شركة القنال بطلب للحكومة المصرية لمدة امتياز شركة قناة السويس الذي كان سينتهي في17 نوفمبر 1968 لمدة 40 سنة أخري تنتهي سنة 2008. و وقفت الحكومة البريطانية و سلطة الاحتلال موقف المؤيد لمد الامتياز “خصوصا و قد بدأت الحركة الملاحية بالقناة تتضاعف حتي بلغت عام 1889 ضعف ما كانت عليه عام 1881 و تضاعفت مرة أخري هام 1911 ، و كانت البضائع  البريطانية تمثل 78،6 % من مجموع البضائع المارة بالقناة.”[10]

و كانت مواد مد الامتياز المقترح كالآتي[11]:

  1. مد فترة الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس 40 سنة تبدأ من أول يناير 1969 إلي 31 ديسمبر 2008
  2. يقسم صافي الأرباح مناصفة بين الشركة و الحكومة المصرية
  3. إذا كان صافي الأرباح أقل من 100 مليون فرنك، تحصل شركة قناة السويس علي خمسين مليون فرنك و لا تنال الحكومة المصرية إلا ما قد تبقي. أما إذا كانت ارباح القناة أقل من خمسين مليون فرنك، تحصل الشركة علي كامل الأرباح و لا تحصل الحكومة المصرية علي أي شيء.
  4. مقابل مد الالتزام لأربعين سنة تدفع الحكومة المصرية اربعة ملايين جنيه مصري علي اربع اقساط حدد مواعيدها

و لكن الحركة الوطنية المصرية بقيادة محمد فريد قادت هجوما كاسحا علي طلب المد و قلبت الرأي العام ضده ، حتي أن إبراهيم الورداني الذي قام باغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي باشا سنة 1910 صرح من ضمن اعترافاته أنه أقدم علي فعلته لعدة اسباب منها ما ذكره من سعي بطرس غالي باشا لمد امتياز القناة.[12]

و للمشاركة في تبصير الناس بعواقب مد الامتياز قام الاقتصادي المصري محمد طلعت حرب بتأليف كتاب عن قناة السويس ليوضح الحقائق للعامة و الخاصة عن تاريخ القناة و كيف ضاعت حصص مصر من الاسهم و الأرباح و خسائرها حتي 1909م  و خلص إلي القول أن السهم الذي باعتها مصر ب 560 فرنكا للسهم الواحد اصبح سعرها بعد ثلاثين سنة فقط 5010 فرنكا للسهم ،و حصتها من أرباح القناة التي باعتها ب 22 مليون فرنك أصبحت فيمتها 300 مليون فرنك.[13]

و إزاء الضغط الشعبي كلفت الجمعية العمومية ( مجلس الشعب) محمد طلعت حرب باشا و سمير صبري باشا بكتابة تقرير عن الموضوع، و بالفعل قدموا تقريرهم للجمعية الذي وضحوا فيه خسائر مصر المالية المتوقعة في حالة تمديد الامتياز الحالي بالشروط السالف ذكرها، و بناء علي هذا التقرير رفضت الجمعية العمومية عرض تمديد امتياز شركة قناة السويس و بقي الامتياز قائما بشروطه حتي جاء التأميم 1956م قبل نهاية الامتياز ب12 سنة.[14]

مصادر و مراجع المقال:

-          قناة السويس، محمد طلعت حرب، دار الكتب و الوثائق القومية، 2008م

Challenging Colonialism: Bank Misr and Egyptian Industrialization, 1920-1941, Eric Davis, Princeton, Princeton University Press.

-          تاريخ مصر في عهد الخديو اسماعيل باشا من سنة 1863 إلي 1879 ، المجلد الأول و الثاني،  إلياس الأيوبي، من سلسلة صفحات من تاريخ مصر، مكتبة مدبولي القاهرة ، 1996 م

-          الارهاب و الاغتيالات السياسية عبر التاريخ، لواء دكتور السيد أبو مسلم، مؤسسة الطوبجي للتجارة للطباعة و النشر، 2004 م

 


[1] قناة السويس – محمد طلعت حرب – دار الكتب و الوثائق المصرية 2008

[2] المصدر السابق

[3] المصدر السابق

[4] مصر في عهدي عباس و سعيد، زين العابدين شمس الدين نجم، دار الشروق، 2007

 

[5] قناة السويس – محمد طلعت حرب – دار الكتب و الوثائق المصرية 2008

[6] المصدر السابق

[7] المصدر السابق

[8] تاريخ مصر في عهد الخديو اسماعيل باشا من سنة 1863 إلي 1879 ، المجلد الأول و الثاني،  إلياس الأيوبي، من سلسلة صفحات من تاريخ مصر، مكتبة مدبولي القاهرة ، 1996 م

[9] قناة السويس – محمد طلعت حرب – دار الكتب و الوثائق المصرية 2008

[10] المصدر السابق

[11] المصدر السابق

[12] ارهاب و الاغتيالات السياسية عبر التاريخ، لواء دكتور السيد أبو مسلم، مؤسسة الطوبجي للتجارة للطباعة و النشر، 2004 م

 

[13] قناة السويس، محمد طلعت حرب، دار الكتب و الوثائق القومية، 2008م

[14] Challenging Colonialism: Bank Misr and Egyptian Industrialization, 1920-1941,  Eric Davis

للمشاركة